|
اختارت تونس أن تكون الثقافة سندا للتغيير والتنمية، إيمانا بدورها الفاعل في ضمان النمو المتوازن وتثبيت الهوية والانخراط الأمثل في منظومة العالم، وجسّمت هذا الاختيار الإصلاحات والإجراءات والقرارات والحوافز المتعددة، التي غيّرت المشهد الثقافي العام تغييرا جذريا، وفتحت الآفاق واسعة أمام المبدعين، ومكنت من الارتقاء بالأداء الثقافي وتطوير مضامين الإنتاج في هذا المجال، فغدت البلاد قطبا ثقافيا بارزا في محيطها الإقليمي، ومزار المبدعين من كافة أنحاء المعمورة، وأشعّت خارج الحدود مؤكدة قدرة الإنسان التونسي على مواصلة دوره كمصدر للإضافة في مسيرة الحضارة الكونية. إن هذه المكاسب التي تحققت في ظرف زمني قصير، نتيجة طبيعية لجهد مضاعف وعناية فائقة وإحاطة متواصلة. إذ أعيد الاعتبار للثقافة ومبدعيها، وأحيطوا بكافة الضمانات الضرورية. وسنّت القوانين والتشريعات وبعثت المؤسسات المرجعية الكبرى وأعيد تنظيم القطاعات لتحسين مردوديتها وجعلها مواكبة للتحولات التي يشهدها مجتمعنا والعالم. فالبلاد تزخر بتراث حضاريّ ثريّ منذ القدم، ورافد من روافد الحضارة الإنسانية يغذيها بتنوّع مضامينه ويثريها بخصوصياته. والشاهد على ذلك اليوم تحوّل أغلب المواقع التاريخية إلى حضيرة حفريات وأعمال صيانة بفضل الإجراءات العديدة التي تم اتخاذها لإحياء تراثنا والمحافظة عليه وتعميق الإدراك لدى الناس بأهميته حتى يكون عنصرا من عناصر تمتين روابط الانتماء وإثراء الشخصية الوطنية، ولاقت المواقع والمجموعات المكتشفة اهتماما كبيرا من المنظمات الحكومية والأممية المختصة، فتم ترتيب العديد منها تراثا عالميا، وحرصت عدّة بلدان على عرض نماذج منها في معارض متميّزة في مختلف عواصم العالم. ولم يتوقّف هذا الإشعاع عند حدود التراث الأثري والمعماري، بل تعدّاه إلى الإضافة والإبداع الفني والفكري في المحافل الثقافية العربية الإسلامية والدولية. ورعاية منها لحركة الإبداع و الابتكار ومنذ تحوّل السابع من نوفمبر 1987 ضاعفت الدولة حجم الدعم ونوّعت أساليبه وأحكمت إيصاله إلى هياكل الإنتاج والمبدعين لضمان المردودية اللازمة. وبادرت بتهيئة الإطار التشريعي الملائم لإدماج الثقافة في الدورة الاقتصادية، وفتح المسالك أمام المستثمرين والباعثين لتوظيف أموالهم في هذا القطاع الحيوي، وذلك بفضل قوانين متطوّرة تحفظ حقوق المبدعين وملكيتهم لإنتاجاتهم، في مناخ من الحريّة والأمن والتضامن بما يوفّر أرضية مثلى للتفاعل مع اقتصاد المعرفة ومع منظومة تكنولوجيا الاتصال. إن سياسة الدولة تجاه الثقافة ومبدعيها، هي مسألة جوهرية وإستراتيجية، وهو ما أكده سيادة الرئيس زين العابدين بن علي منذ فجر التغيير، حيث بشّر بثقافة تونسية جديدة، هي ثقافة الإبداع والتحديث والابتكار، ثقافة التأصيل والإضافة في كنف مناخ وطني أساسه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، واحترام التنوّع والاجتهاد الفكري. ولأن الثقافة جهد يومي فإن السعي متواصل لتطوير كل مستلزمات صيانة الذات الثقافية والحضارية حتى تكون قادرة على التعامل مع الثقافات الأخرى بندية، ويتواصل العمل حسب المخططات التنموية لتأهيل القطاع الثقافي وتدعيم الصناعات الثقافية وتطوير أساليب التكوين وتنظيم المهن الفنية وتوسيع البنية الأساسية، واستكمال شبكة الهياكل الثقافية المرجعية وبعث الفضاءات المستقبلية الكبرى وتطوير العناية بالموروث الحضاري وإحكام توظيفه وتدعيم مضامينه وقيمه لاقتحام المستقبل بكل ضمانات النجاح وتكريس تونس عاصمة دائمة للثقافة، وتأهيل بلادنا للدخول في مرحلة «المجتمع المبدع المثقف» أي المجتمع المدرك لواجباته، المؤمن بقدراته، الواعي بالتحديات المطروحة، العازم على رفعها وكسب معركة الامتياز. تلك هي الثقافة التونسية التي يتجلى مشهدها التأسيسي والاحتفالي والإبداعي في كامل ولايات الجمهورية تكريسا للامركزية، ثقافة تأكيد الهوية والانخراط في الحداثة ومواكبة مستجدّات الإبداع، ثقافة الفكر الإصلاحي والتنوير، ثقافة تقوم على الانفتاح وحوار الحضارات.
www.kairouan-cci2009.nat.tn
|